سهيلة عبد الباعث الترجمان
158
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
حالة شهودكم وفنائكم . . . فأي جهة تتوجهوا حينئذ فثمّ وجه اللّه ، لم يكن شيء إلّا به وحده ، عليم بكل العلوم والمعلومات . . . " « 1 » لذلك لم يجد ابن عربي أية صعوبة في أن يجد لكل فكرة ، بل ولكل إشارة ما يؤيدها في القرآن الكريم سواء أكانت فكرته عن الوجود المطلق أو في الوحدة والكثرة أو الأحديّة بحيث تتسق ومنطق مذهبه ، والآيات الدالة على ذلك قوله تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ « 2 » يقول فيها : " فإنه القائم على كل شيء ، القائم به كل شيء " « 3 » وهو في ذلك شأنه شأن الصوفية باستخدامه الإشارات وعدم التوضيح بل يعمد إلى التلميح والتلويح ، ويستخدم الإشارات عمدا مبرّرا هذا المسلك بغموض الفكرة تارة ، وتارة أنه لا يملك نفسه فيما يطرح من أفكار ، ويردّ ذلك إلى أن نمط كتبه لا يخضع للمنطق والنظام والترابط الفكري بل هي إلقاء ربّاني يلقيه في روع الفرد ويعلّمه ما لا يعلمه ، وقد أشار إلى ذلك بقوله : " جميع ما أكتبه في تصانيفي ليس هو عن فكر ولا رويّة ، إنما هو عن نفث « * » في روعي من ملك الإلهام " « 4 » وهذا يدلنا بصراحة لا مواربة فيها أن ابن عربي لم يكن آخذا عن غيره ، ولا مقلدا لأحد ، بل هو وارث إرثا نبويا ، تابعا لخطواته ، لذلك فعلمه منّة وهبة من اللّه يمنحها لخاصته ، وقد ألمح إلى ذلك بقوله : " وقد أمرنا رسول اللّه أن نعطي كل ذي حق حقه ، ولا نفعل ذلك حتى نعلم ما يستحقه كل ذي حق من الحق ، وليس إلّا بتبيين الحق لنا ذلك ، ولذلك أضافه إليه تعالى فقال : وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ « 5 » ، وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ
--> ( 1 ) ابن عربي ، تفسير القرآن الكريم ، الجزء الأول ، ص 80 . ( 2 ) سورة الحديد ، الآية : 4 م . ( 3 ) ابن عربي ، كتاب التراجم ، رسائل ، الجزء الأول ، ص 51 . ( * ) النفث : أحد طرق العلم الإلهي كالإلقاء والإملا . . . يقول ابن عربي عن نفث الأنبياء : فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : إن روح القدس نفث في روعي ولا يكون النفث إلا ريحا بريق ، ( فتوحات ، الجزء الثالث ، ص 370 ) . ويقول الشعراني : النفث في الروع من وحي القدس ، لكن ما هو مثل وحي الكلام ووحي الإلهام تكن من أهل ذي الجلال والإكرام . ( انظر الشعراني ، الكبريت الأحمر ، هامش اليواقيت ، الجزء الأول ، ص 4 ) . ( 4 ) الشعراني ، اليواقيت ، ص 24 . ( 5 ) سورة ص ، الآية : 20 ك .